أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
{
أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
(77) }
يقول تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ } أيها المؤمنون { أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ } أي:
ينقاد (1) لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم (2)
من الآيات البينات ما شاهدوه (3) ثم قست قلوبهم من بعد ذلك { وَقَدْ كَانَ
فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } أي:
يتأولونه على غير تأويله { مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } أي: فهموه على الجلية
ومع هذا يخالفونه على بصيرة { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم مخطئون فيما ذهبوا
إليه من تحريفه وتأويله؟ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ
مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ
الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } [المائدة: 13]. (4) .
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولمن معه من
المؤمنين يؤيسهم منهم: { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ
فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ } وليس قوله: { يَسْمَعُونَ
كَلامَ اللَّهِ } يسمعون التوراة. كلهم قد سمعها. ولكن الذين سألوا موسى رؤية
ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
قال محمد بن إسحاق: فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد
حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى
ربه تعالى فقال: نعم، مُرْهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم
خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا
سجودًا، وكلمه ربه تعالى، فسمعوا (5) كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا عنه ما
سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حَرَّف فريق منهم ما أمرهم
به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا. قال ذلك
الفريق الذين ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله عز وجل لهم،
فهم الذين عنى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال السدي: { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِّفُونَهُ } قال: هي التوراة، حرفوها.
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن
جرير لظاهر السياق. فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه (6) كما سمعه
الكليم موسى بن
__________
(1) في جـ، ط: "ينقادوا".
(2) في جـ: "ما آتاهم".
(3) في ط: "مما شاهدوه".
(4) في أ: "من بعد" وهو خطأ.
(5) في جـ، ط، ب: "فلما سمعوا".
(6) في جـ: "لمن يكون منه" ، وفي ط: "لمن تكون منه".
(1/307)
عمران، عليه الصلاة والسلام (1) ، وقد قال الله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ }
[التوبة: 6]، أي: مبلَّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: { ثُمَّ
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال: هم اليهود
كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه.
وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.
وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم، من نعت (2) محمد صلى الله
عليه وسلم، فحرفوه عن مواضعه.
وقال السدي: { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب: قال ابن زيد
في قوله: { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } قال: التوراة
التي أنزلها الله عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها
حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقًا؛ إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له
كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل (3) برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق،
وإن جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال
الله لهم: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } [البقرة: 44].
وقوله: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } الآية .
قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } أي بصاحبكم رسول
الله، ولكنه إليكم خاصة. { وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا } لا
تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: {
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ
إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد
أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ونجد في
كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به. يقول الله تعالى: { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } .
وقال الضحاك، عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا.
وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس،
وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فيما
رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: "لا يدخلن (4)
علينا قصبة المدينة إلا مؤمن". فقال رؤساؤهم (5) من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا
فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر،
ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ
النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران: 72]
__________
(1) في جـ: "كما سمعه الكليم عليه السلام"، وفي ط: "كما سمعه الكليم موسى بن
عمران عليه الصلاة والسلام".
(2) في جـ، ط: "من نص".
(3) في جـ: "الباطل".
(4) في جـ: "لا يدخل".
(5) في جـ: "فقال رؤسائهم" وهو خطأ.
(1/308)
وكانوا يقولون، إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأمره. فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه صلى الله
عليه وسلم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون
(1) فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى
قومهم [يعني الرؤساء] (2) قالوا: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ } الآية (3) .
وقال أبو العالية: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }
يعني: بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت (4) محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } قال: كانوا
يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض (5) فقالوا: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا
فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } (6) .
قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جُرَيج: حدثني القاسم بن أبي بَزَّة، عن
مجاهد، في قوله تعالى: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }
قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: "يا إخوان (7)
القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت"، فقالوا: من أخبر بهذا (8) الأمر محمدًا؟
ما خرج هذا القول (9) إلا منكم { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ } بما حكم الله، للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج، عن
مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليا (10) فآذوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وقال السدي: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } من العذاب
{ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم
نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عُذِّبوا به. فقال بعضهم لبعض: {
أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } من العذاب، ليقولوا: نحن
أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }
يعني: بما قضى [الله] (11) لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود، كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا،
وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم
مما في كتابكم، فيحاجوكم (12) به عند ربكم، فيخصموكم.
__________
(1) في جـ: "أنهم يؤمنون".
(2) زيادة من جـ، ب، أ، و.
(3) رواه الطبري في تفسيره (2/254) عن يونس عن ابن وهب به.
(4) في أ: "من بعث".
(5) في جـ، ط، ب: "فخلا بعضهم ببعض".
(6) تفسير عبد الرزاق (1/71).
(7) في جـ: "أيا إخوان".
(8) في جـ، ط، ب: "من أخبر هذا".
(9) في أ، و: "هذا الأمر".
(10) في جـ: "حين أرسل عليًا إليهم".
(11) زيادة من جـ، أ.
(12) في جـ، ط، ب: "ليحاجوكم".
(1/309)
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
وقوله: { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ } قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه
وسلم وتكذيبهم به، وهو (1) يجدونه مكتوبًا عندهم. وكذا قال قتادة.
وقال الحسن: { أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } قال: كان ما أسروا أنهم
كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا
أن يخبر أحد (2) منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في
كتابهم، خشيةَ أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند (3)
ربهم. { وَمَا يُعْلِنُونَ } يعني: حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:
آمنا. وكذا قال أبو العالية، والربيع، وقتادة .
{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ
هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ
بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ
ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ
مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) }
يقول تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } أي: ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد:
والأميون جمع أمي، وهو: الرجل الذي لا يحسن الكتابة، قاله أبو العالية،
والربيع، وقتادة، وإبراهيم النَّخَعي، وغير واحد (4) وهو ظاهر في قوله تعالى: {
لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ [إِلا أَمَانِيَّ] } (5) أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا
في صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال
تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ
بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } [العنكبوت: 48] وقال عليه الصلاة
والسلام: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا" الحديث.
أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب وقال تعالى: { هُوَ
الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ } [الجمعة: 2] .
وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله
بالكتاب دون أبيه، قال: وقد روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما (6) قول خلاف هذا،
وهو ما حدثنا به أبو كُرَيب: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي
روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } قال:
الأميون قوم لم يصدِّقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا
كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سَفلة جُهَّال: { هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ }
وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين، لجحودهم كتب الله ورسله.
ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل (7) على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض
بينهم. وذلك أن الأمي عند العرب: الذي لا يكتب (8) .
قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس، بهذا الإسناد، نظر. والله أعلم.
__________
(1) في جـ، ط، ب، أ، و: "وهم".
(2) في جـ: "يخبروا واحدًا"، وفي أ: "يخبروا أحد".
(3) في جـ: "وعند".
(4) في أ: "وإبراهيم النخغي وغيرهم".
(5) زيادة من جـ، ط، ب.
(6) في ط: "رضي الله عنه".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "وهذا التأويل تأويل".
(8) تفسير الطبري (2/259).
(1/310)
قوله (1) تعالى: { إِلا أَمَانِيَّ } قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: { إِلا
أَمَانِيَّ } إلا أحاديث.
وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: { إِلا أَمَانِيَّ } يقول: إلا قولا
يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد: إلا كذبًا. وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن
جريج عن مجاهد: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا
أَمَانِيَّ } قال: أنَاس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا
يتكلمون بالظن (2) بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أمانيّ
يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه.
وقال أبو العالية، والربيع وقتادة: { إِلا أَمَانِيَّ } يتمنون على الله ما ليس
لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: { إِلا أَمَانِيَّ } قال: تمنوا فقالوا: نحن
من أهل الكتاب. وليسوا منهم.
قال ابن جرير: والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد: إن الأميين
الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب -الذي أنزل (3) الله على موسى
-شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصُون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني
في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي
الله عنه: "ما تغنيت ولا تمنيت". يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب (4) .
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا
يَظُنُّونَ } ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون (5) نبوتك بالظن.
وقال مجاهد: { وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } يكذبون.
وقال قتادة: وأبو العالية، والربيع: يظنون الظنون بغير الحق.
وقوله: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا }
الآية: هؤلاء صنف (6) آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على
الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري، عن زياد
بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار. الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
__________
(1) في جـ، ط: "وقوله".
(2) في جـ: "يتكلمون الظن".
(3) في جـ، ط، ب: "الذي أنزله".
(4) تفسير الطبري (1/262).
(5) في أ، و: "وهم يجدون".
(6) في جـ: "هو صنف".
(1/311)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
الحارث، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قال: "ويل واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ
قعره".
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به
(1) . وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا
الإسناد -مرفوعًا-منكر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح العشيري (2)
حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي،
عن عثمان بن عفان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا
كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } قال: "الويل جبل في
النار. وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حَرَّفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا،
ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة. ولذلك
غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ
أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } (3) .
وهذا غريب أيضا جدًا.
[وعن ابن عباس: الويل: السعير من العذاب، وقال الخليل بن أحمد: الويل: شدة
الشر، وقال سيبويه: ويل: لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال
الأصمعي: الويل: تفجع والويل ترحم، وقال غيره: الويل الحزن (4) . وقال الخليل:
وفي معنى ويل: ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرق بينها، وقال بعض النحاة:
إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوز نصبها،
بمعنى: ألزمهم ويلا. قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد] (5) .
وعن عكرمة، عن ابن عباس: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ
بِأَيْدِيهِمْ } قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد، عن قتادة: هم اليهود.
وقال سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: {
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ } قال: نزلت في
المشركين وأهل الكتاب.
وقال السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب،
ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا (6) به ثمنًا قليلا.
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم (1/243) وسنن الترمذي برقم (3164).
(2) في جـ: "العيري".
(3) تفسير الطبري (2/268).
(4) في أ: "الخوف".
(5) زيادة من جـ، ط، ب.
(6) في جـ، ط، ب: "فيأخذوا".
(1/312)
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)
وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: يا معشر
المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه،
أحدث أخبار الله تقرؤونه (1) محضًا (2) لم يشب؟ وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل
الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند
الله ليشتروا به ثمنًا قليلا؛ أفلا (3) ينهاكم ما جاءكم من العلم عن
مُسَاءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم. رواه
البخاري (4) من طرق عن الزهري.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقوله تعالى: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ
مِمَّا يَكْسِبُونَ } أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب (5) والبهتان،
والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس: {
فَوَيْلٌ لَهُمْ } يقول: فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، {
وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } يقول: مما يأكلون به الناس السفلة
وغيرهم.
{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ
تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) }
يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم
النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله: { قُلْ
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا } (6) أي: بذلك؟ فإن كان قد وقع عهد فهو
لا يُخْلِف عهده (7) .
ولكن هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى بـ"أم" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على
الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال (8) محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان (9) عن مجاهد، عن ابن عباس: أن اليهود
كانوا يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّب بكل ألف سنة يومًا في
النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة (10) . فأنزل الله تعالى: { وَقَالُوا لَنْ
تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } إلى قوله: { خَالِدُونَ }
[البقرة: 82].
ثم رواه عن محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس، بنحوه.
وقال العوفي عن ابن عباس: { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا
مَعْدُودَةً } اليهود قالوا (11) : لن
__________
(1) في ط: "يعرفونه"، وفي و: "تعرفونه".
(2) في جـ، ط، و: "غضًا".
(3) في جـ: "أفلم".
(4) صحيح البخاري برقم (2685 ، 7363 ، 7523).
(5) في جـ: "من الكتب".
(6) بعدها في جـ: "فلن يخلف الله عهده".
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "وعده".
(8) في جـ، ط: "وقال".
(9) في جـ: "سلمان".
(10) في جـ، ط، ب، أ، و: "أيام معدودات".
(11) في جـ: "وقالوا".
(1/313)
تمسنا النار إلا أربعين ليلة، [زاد غيره: هي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي
عن ابن عباس وقتادة] (1) .
وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا: أن ما
بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة
في أصل الجحيم. وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب
جهنم وتهلك. فذلك قوله تعالى: { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا
أَيَّامًا مَعْدُودَةً }
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل (2) .
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) فقالوا: لن ندخل
النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا إليها (4) قوم آخرون، يعنون (5) محمدًا صلى
الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم:
"بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد". فأنزل الله: { وَقَالُوا لَنْ
تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا
محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني
سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول
الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا" فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أبوكم؟" قالوا: فلان (7) . قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت
وبَرِرْت، ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟". قالوا: نعم، يا
أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "من أهل النار؟" فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا".
ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم
عنه؟". قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟".
فقالوا: نعم. قال (8) : "فما حملكم على ذلك؟". فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن
نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك.
ورواه أحمد، والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعد، بنحوه (9) .
__________
(1) زيادة من جـ، ط، ب، و.
(2) تفسير عبد الرزاق (1/71، 72).
(3) في جـ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه".
(4) في جـ: "فيها".
(5) في جـ، ط، أ، و: "يعني"، وفي ب: "تعني".
(6) في ط، ب: "فقال لهم".
(7) في جـ: "قالوا: أبونا فلان".
(8) في جـ، ط، ب: "فقال".
(9) المسند (2/451) وصحيح البخاري برقم (3161، 4249) وسنن النسائي الكبرى برقم
(11355).
(1/314)
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
{
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ (82) }
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة
وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات،
فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله (1) وعملوا الصالحات -من العمل
الموافق للشريعة-فهم (2) من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: { لَيْسَ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا*
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } [النساء: 123
، 124].
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: {
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به،
حتى يحيط به كفره (3) فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن،
وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه (4) .
وقال الحسن -أيضًا-والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة، وأبو وائل، وعطاء، والحسن: { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ }
قالوا: أحاط به شركه.
وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم: { وَأَحَاطَتْ بِهِ
خَطِيئَتُهُ } قال: الذي يموت على خطايا (5) من قبل أن يتوب. وعن السدي، وأبي
رزين، نحوه.
وقال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، في رواية عنهما، وقتادة، والربيع بن أنس: {
وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } الكبيرة الموجبة.
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه
الإمام أحمد حيث قال:
حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة (6) عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن
عبد الله
__________
(1) في أ: "ورسله".
(2) في جـ، ط، ب، أ، و: "فهو".
(3) في جـ: "فمتى يحيط عمله".
(4) في جـ: "بنحوه".
(5) في أ، و: "على خطاياه".
(6) في أ: "عن عمر بن صادق".
(1/315)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
بن
مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن
يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهُنَّ
مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء
بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا (1) ، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما
قذفوا فيها (2) .
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: { وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ } أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة
خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشرّ مقيم على أهله، لا انقطاع له
أبدًا (3) .
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ
تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) }
يُذكّر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على
ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه،
فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما
قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي
إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 25] وقال
تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا
اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل: 36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها،
وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم
وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما
قال تعالى: { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [لقمان:
14] وقال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } الآية إلى أن قال: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى
حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } [الإسراء: 23-26] وفي الصحيحين،
عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها".
قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (4)
. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك".
قال: ثم من (5) ؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك . ثم أدناك أدناك" (6) .
__________
(1) في جـ: "جمعوا أعوادًا".
(2) المسند (1/402).
(3) في جـ، ط، ب: "أبدًا لا انقطاع له".
(4) صحيح البخاري برقم (527، 5970، 7534) وصحيح مسلم برقم (85).
(5) في ط: "ثم قال من".
(6) جاء من حديث معاوية بن حيدة، رواه أبو داود في السنن برقم (5139)، ومن حديث
كليب بن منفعة عن أبيه عن جده، رواه أبو داود في السنن برقم (5140).
(1/316)
[وقوله: { لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ } قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب، وهو
آكد. وقيل: كان أصله: ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف (1) فحذفت أن فارتفع،
وحكي عن أبي وابن مسعود، رضي الله عنهما، أنهما قرآها: "لا تَعْبُدُوا إِلا
اللَّه". وقيل: { لا تَعْبُدُونَ } مرفوع على أنه قسم، أي: والله لا تعبدون إلا
الله، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال: اختاره المبرد
والكسائي والفراء] (2) .
قال: { وَالْيَتَامَى } وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [وقال أهل
اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن
اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا] (3) { وَالْمَسَاكِينَ } الذين لا يجدون
ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء،
التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } الآية [النساء: 36].
وقوله تعالى: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي: كلموهم طيبًا، ولينُوا لهم
جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن
البصري في قوله: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } فالحُسْن من القول: يأمُر
بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال
الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران
الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه
منطلق (4) " .
وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] (5) من حديث أبي عامر الخزّاز، واسمه
صالح بن رستم، به (6) .
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل،
فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى
الناس بالمُعيّن (7) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: { وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء
ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه
الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا } [النساء: 36]
__________
(1) في أ: "كما قرأها من قرأها من السلف".
(2) زيادة من جـ، ط، ب، أ.
(3) زيادة من جـ، ط، ب، أ.
(4) في ط: "بوجه طلق".
(5) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(6) المسند (5/173) وصحيح مسلم برقم (2626) وسنن الترمذي برقم (1833).
(7) في جـ، ط، ب، أ، و: "بالمتعين".
(1/317)
فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف -يعني
التِّنِّيسِي-حدثنا خالد بن صَبِيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وَدَاعة: أنه
كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا سلم عليه، فقيل له: ما
شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال: إن الله يقول: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ
حُسْنًا } وهو: السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.
قلت: وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2166) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم
أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".
(1/318)