فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)
{ فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) }
(4/296)
يقول تعالى: فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم
الرسل، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه، أو أكثرهم كما قال
تعالى: { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا
كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [ يس: 30]، { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ }
[الذاريات:52]، { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ
نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ
وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } [الزخرف:23] (1) (2) وفي الحديث
الصحيح: "عرض علي الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي معه
الرجل والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد" (3) ثم ذكر كثرة أتباع موسى،
عليه السلام، ثم ذكر كثرة أمته، صلوات الله وسلامه عليه، كثرة سدت الخافقين
الشرقي (4) والغربي.
والغرض أنه لم توجد (5) قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى، إلا قوم
يونس، وهم أهل نِينَوى ، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم
به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى
الله واستغاثوا به، وتضرعوا (6) لديه. واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم
ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم. فعندها
رحمهم الله، وكشف عنهم العذاب وأخروا، كما قال تعالى: { إِلا قَوْمَ يُونُسَ
لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } .
واختلف المفسرون: هل كُشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في
الدنيا فقط؟ على قولين، أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا، كما هو مقيد في
هذه الآية. والقول الثاني فيهما لقوله تعالى: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ
أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } [الصافات:
147 ، 148] فأطلق عليهم الإيمان، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي، وهذا هو
الظاهر، والله أعلم.
قال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب،
فتركت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله
في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفَرّقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عَجّوا إلى
الله أربعين ليلة. فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على
ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم -قال قتادة: وذكر أن قوم
يونس كانوا بنينوى أرض الموصل.
وكذا روي عن ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف، وكان ابن
مسعود يقرؤها: "فَهَلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ".
__________
(1) في ت: "وما أرسلنا في قرية من نبي".
(2) في ت: "مهتدون" وهو خطأ.
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (5752) ومسلم في صحيحه برقم (220) من حديث عبد
الله بن عباس رضي الله عنه.
(4) في ت، أ: "والشرقي".
(5) في ت: "يوجد".
(6) في ت، أ: "وضرعوا".
(4/297)
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
وقال أبو عمران، عن أبي الجَلْد قال: لما نزل بهم (1) العذاب، جعل يدور على
رءوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعوا
به، لعل الله يكشف (2) عنا العذاب، فقال: قولوا: يا حيّ حين لا حيّ، يا محيي
الموتى (3) لا إله إلا أنت. قال: فكشف عنهم العذاب.
وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله.
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ
تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ
أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا
يَعْقِلُونَ (100) }
يقول تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ } -يا محمد -لأذن لأهل الأرض كلهم في
الإيمان بما جئتهم به، فآمنوا كلّهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كما قال
تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا
يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ } [هود: 118 ، 119]، وقال تعالى: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ
آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } [الرعد: 31] ؛
ولهذا قال تعالى: { أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ } أي: تلزمهم وتلجئهم {
حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل [إلى] (4) الله
{ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ
عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8]، { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ
اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [البقرة: 272]، { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ
أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 3] ، { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ } [القصص:56]، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا
الْحِسَابُ } [الرعد: 40]، { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ
عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ } [الغاشية: 21 ، 22] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على
أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه
وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ
اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ } (5) وهو الخبال (6) والضلال، { عَلَى الَّذِينَ
لا يَعْقِلُونَ } أي: حججَ الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك، في هداية من
هدى، وإضلال من ضل.
{ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ
وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا
مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) }
__________
(1) في ت: "لما نزل بقوم يونس".
(2) في ت: "أن يكشف".
(3) في ت: "يا محيي الموتى يا حي".
(4) زيادة من ت.
(5) في ت: "يؤمن".
(6) في ت: "الجبال".
(4/298)
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
يرشدُ تعالى عباده إلى التفكر في آلائه (1) وما خلق في السموات والأرض من
الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات (2) من كواكب نيرات، ثوابت
وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر،
حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها،
وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج
فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير، وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دوابّ
مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول (3) وقفار وعمران
وخراب. وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] (4) مذلل
للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو، ولا رب
سواه.
وقوله: { وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } أي:
وأي شيء تُجدي الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها
الدالة على صدقها، عن قوم لا يؤمنون، كما قال: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ
عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس : 96 ، 69].
وقوله: { فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ
قَبْلِهِمْ } أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا
مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، { قُلْ
فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا } (5) أي: ونهلك المكذبين بالرسل، { كَذَلِكَ حَقًّا
عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ } [أي] (6) حقا: أوجبه تعالى على نفسه
الكريمة: كقوله { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [الأنعام : 12] كما جاء
في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كتب كتابا فهو
عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت (7) غضبي" (8)
{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا
أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ
الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104)
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا
يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) }
__________
(1) في أ: "إلى التفكر في الآية لآياته".
(2) في ت، أ: "السماء".
(3) في أ: "وهول".
(4) زيادة من ت، أ.
(5) في ت: "فإنى".
(6) زيادة من ت، أ.
(7) في ت، أ: "تغلب".
(8) صحيح البخاري برقم (7554) وصحيح مسلم برقم (2751) من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه.
(4/299)
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)
{
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ
يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) }
يقول تعالى لرسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: قل: يا أيها الناس، إن كنتم
في شك من
(4/299)
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
صحة ما جئتكم من الدين الحنيف، الذي أوحاه الله إلي، فها أنا لا أعبد الذين
تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما
أحياكم، ثم إليه مرجعكم؛ فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله (1) حقا، فأنا
لا أعبدها (2) فادعوها فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر
والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين.
وقوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ } أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفا، أي: منحرفا عن الشرك؛ ولهذا
قال: { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } وهو معطوف على قوله: {
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }
وقوله: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } إلى آخرها، بيان لأن الخير والشر
والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه (3) في ذلك أحد، فهو
الذي يستحق العبادة وحده، لا شريك له.
روى الحافظ ابن عساكر، في ترجمة صفوان بن سليم، من طريق عبد الله بن وهب:
أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات
رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده واسألوه أن يستر
عوراتكم، ويؤمن روعاتكم" (4)
ثم رواه من طريق الليث، عن عيسى بن موسى، عن صفوان، عن رجل من أشجع، عن أبي
هريرة مرفوعا؛ بمثله سواء (5)
وقوله: { وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من
أيّ ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه.
{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ
اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ
عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى
إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
}
يقول تعالى آمرا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يخبر الناس أن الذي جاءهم
به من عند
__________
(1) في أ: "من دون الله من شيء حقا".
(2) في ت: "أعبد".
(3) في ت، "لا يشركه".
(4) تاريخ دمشق (8/328) "المخطوط") ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (1121)
من طريق عبد الله بن وهب به، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (5/339) والبيهقي
في شعب الإيمان برقم (1122) من طريق عمرو بن الربيع بن طاق عن يحيى بن أيوب به
نحوه ورمز له السيوطي بالضعف في الجامع.
(5) تاريخ دمشق (8/328 "المخطوط") ورواه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة
برقم (27) من طريق رويم بن يزيد عن الليث به مرفوعا، ورواه البيهقي في شعب
الإيمان برقم (1123) من طريق يحيى بن بكير عن الليث به مرفوعا. وقال البيهقي:
"هذا هو المحفوظ دون الأول" والأول حديث أنس.
(4/300)
الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك
الاتباع على نفسه، [ومن ضل عنه (1) فإنما يرجع وبال ذلك عليه (2) ] (3)
{ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين
به، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى.
وقوله: { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ } أي: تمسك بما أنزل الله
عليك وأوحاه (4) واصبر على مخالفة من خالفك من الناس، { حَتَّى يَحْكُمَ
اللَّهُ } أي: يفتح بينك وبينهم، { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } أي: خير
الفاتحين بعدله (5) وحكمته.
__________
(1) في ت: "عن ذلك".
(2) في ت: "على نفسه".
(3) زيادة من ت، أ.
(4) في ت، أ: "وأوحاه إليك".
(5) في ت، أ: "لعدله".
(4/301)
تفسير سورة هود
[وهي مكية] (1) .
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي
إسحاق، عن عِكْرِمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما
شَيّبك؟ قال: " شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت " (2) .
وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كُرَيْب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن
هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا
رسول الله، قد شبت؟ قال: " شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون،
وإذا الشمس كورت " (3) وفي رواية: " هود وأخواتها " .
وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا حماد (4) بن الحسن، حدثنا سعيد بن
سلام، حدثنا عمر بن محمد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: " شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت "
وفي رواية: " هود وأخواتها " (5) .
وقد روي من حديث ابن مسعود، فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في
معجمه الكبير: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي
(6) ، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه؛
أن أبا بكر قال: يا رسول الله، ما شيبك؟ قال: " هود، والواقعة " (7) .
عمرو بن ثابت متروك، وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود. والله أعلم.
__________
(1) زيادة من ت، أ.
(2) مسند أبي يعلى (1/102) وهو منقطع وقد تكلم عليه والذي بعده، الحافظ
الدارقطني في العلل (3/193 - 211) بما يكفي.
(3) سنن الترمذي برقم (3297) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من
حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه".
(4) جميع النسخ: "حجاج" والتصويب من المعجم الكبير.
(5) المعجم الكبير (6/183) ورواه الدارقطني في العلل (1/210) من طريق أحمد بن
طارق به، وقال الهيثمي في المجمع (3/192): "عمر بن صهبان متروك" وسعيد بن سلام
كذاب.
(6) في ت، أ، والمعجم الكبير: "الوابشي" ولم أجد ترجمته.
(7) المعجم الكبير (10/125 ، 126) وهو عنده من طريق عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق
عن أبي الأحوص عن ابن مسعود فلعله سقط من نسخة ابن كثير والله أعلم. وللاستزادة
في أحاديث الباب: فقد توسع الفاضل محمد طرهوني في تتبعها انظر كتابه: موسوعة
فضائل القرآن _1/295 - 308).
(4/302)