قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)
{
قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) } .
قال ابن عباس، وعِكْرِمة، والضحاك، والسُّدِّي، وغيرهم: المراد بالبر هاهنا:
الفَيَافي، وبالبحر: الأمصار والقرى، وفي رواية عن ابن عباس وعَكرمة: البحر:
الأمصار والقرى، ما كان منها على جانب نهر.
وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر: البحر المعروف.
وقال زيد (1) بن رُفَيْع: { ظَهَرَ الْفَسَادُ } يعني: انقطاع المطر عن البر
يعقبه القحط، وعن البحر تعمى (2) دوابه. رواه ابن أبي حاتم.
وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس
الأعرج، عن مجاهد: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ، قال: فساد
البر: قتل ابن آدم، وفساد (3) البحر: أخذ السفينة غصبا.
وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر: ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر:
جزائره.
__________
(1) في أ "يزيد".
(2) في ت، ف: "يعني".
(3) في ت، ف: "وفي".
(6/319)
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)
والقول الأول أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم صَالَح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني:
ببلده.
ومعنى قوله تعالى: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } أي: بان النقص في (1) الثمار والزروع بسبب
المعاصي.
وقال أبو العالية: مَنْ عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض
والسماء بالطاعة؛ ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: "لَحَدٌّ يقام في
الأرض أحبّ إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا" (2) . والسبب في هذا أن
الحدود إذا أقيمت، انكف الناس -أو أكثرهم، أو كثير منهم -عن تعاطي المحرمات،
وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محاق (3) البركات من السماء والأرض؛ ولهذا إذا
نزل عيسى [ابن مريم] (4) عليه السلام، في آخر الزمان فحكم بهذه الشريعة المطهرة
في ذلك الوقت، من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية، وهو تركها -فلا يقبل
إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج،
قيل للأرض: أخرجي بركاتك. فيأكل من الرمانة الفئَام من الناس، ويستظلون
بقَحْفها، ويكفي لبن اللّقحة الجماعةَ من الناس. وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير؛ [ولهذا]
(5) ثبت في الصحيح: (6) "إنَّ الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد،
والشجر والدواب" (7) .
ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا حدثنا عَوْف، عن أبي
قحذم قال (8) : وجد رجل في زمان زياد -أو: ابن زياد -صرة فيها حَبّ، يعني من بر
أمثال النوى، عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل (9) .
وروى مالك، عن زيد بن أسلم: أن المراد بالفساد هاهنا الشرك. وفيه نظر.
وقوله: { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي:
يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات، اختبارا منه، ومجازاة على صنيعهم، {
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي: عن المعاصي، كما قال تعالى: { وَبَلَوْنَاهُمْ
بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الأعراف: 168].
ثم قال تعالى: { قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ } أي: من قبلكم، { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ } أي:
فانظروا ماذا حلَّ بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا
مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ
فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ
لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) } .
__________
(1) في ت: "من".
(2) رواه أحمد في المسند (2/362) والنسائي في السنن (8/75) من حديث أبي هريرة،
ولم يقع لي في سنن أبي داود.
(3) في ت، ف، أ: "حصول".
(4) زيادة من ت، ف، أ.
(5) زيادة من أ.
(6) في ت، أ: "الصحيحين".
(7) صحيح البخاري برقم (6512).
(8) في ت: "وروى أنه".
(9) المسند (2/296).
(6/320)
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)
يقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته، والمبادرة إلى
الخيرات: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ
يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } أي: يوم القيامة، إذا أراد كونه فلا
رادَّ له ، { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في
السعير؛ ولهذا قال: { مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا
فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ } أي: يجازيهم مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها،
إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ،
ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور.
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ
رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا
إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ
أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) } .
يذكر تعالى نعَمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، بمجيء
الغيث (1) عقيبها؛ ولهذا قال: { وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } أي: المطر
الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، { وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ }
أي: في البحر، وإنما سيرها بالريح، { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } أي: في
التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، { وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ } أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة
والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى.
ثم قال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ
فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } هذه
تسلية من الله لعبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه (2) ، بأنه وإن كذبه
كثير من قومه ومن الناس، فقد كُذّبت الرسل المتقدمون مع ما جاءوا أممهم به من
الدلائل الواضحات، ولكن الله انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم، {
وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } ، هو حقّ أوجبه على نفسه
الكريمة، تكرما وتفضلا كقوله تعالى: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ } [الأنعام: 54].
قال (3) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث،
عن شهر بن حَوْشَب (4) ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: "ما
__________
(1) في ت، ف: "بمجيء المطر والغيث".
(2) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(3) في ت: "وروى".
(4) في ت: "بإسناده".
(6/321)
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)
من
امرئ مسلم يَرُدُّ عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم
القيامة". ثم تلا هذه الآية: { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
} (1) .
{ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي
السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ
مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ
قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ
يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) }
__________
(1) ورواه أحمد في المسند (6/448) من طريق إسماعيل، وابن أبي الدنيا في الغيبة
والنميمة برقم (102) من طريق جرير كلاهما عن ليث - وهو ابن أبي سليم - به ولم
يذكر الآية.
(6/322)